عربي

الشفافية بلا تمكين تبقى حبيسة الورق في العراق

د. عدنان بهية 28 ت1 2021

انضمت العراق إلى المبادرة الدولية للشفافية في الصناعات الإستخراجية نهاية عام 2010، وعلى ضوء متطلبات انضمامها تم تشكيل مجلس أمناء لإدارتها يرأسه وزير النفط غالباً وتعيين مدير تنفيذي لها مقره في وزارة النفط. بدأت المبادرة العراقية عملها وفقا لمتطلبات معيار المبادرة الدولية وأصدرت تقريرها الأول عن مبيعات النفط العراقي لسنة 2009، وها نحن على أبواب إصدار تقريرين هما 11 و12 للسنتين 2019 و2020.

عشر تقارير صدرت حتى الأن كلفت الدولة مئات الألوف من الدولارات طبعت بعدة آلاف من النسخ الورقية والإلكترونية يغمرها الغبار في مخزن المبادرة في بغداد،ووزعت بكميات محدودة لعدد من الوزارات و الهيئات و المنظمات مع الأسف. ركنت التقارير على الرفوف دون حراك، ولم تظهر أية مؤسسة أو وزارة أو محافظة أو هيئة استشارية أو تنفيذية اهتماما يليق بالبيانات والمعلومات التي تتضمنها هذه التقارير سنويا. لم نرى حراكا من مؤسسات رقابية وتخطيطية حول تلك البيانات لتأشير أبواب الهدر والفساد فيها، وفوق ذلك لم نجد صدى لتلك التقارير في عمل الرئاسات الثلاث ( الجمهورية، الوزراء، مجلس النواب) في كل من بغداد و إقليم كردستان على مدى عقد من الزمان في عمر المبادرة .

وردت كلمة تنمية ثلاث مرات في مبادئ المبادرة، للدلالة على أهميتها في فلسفة المبادرة الدولية للشفافية في الصناعات الاستخراجية. وهي فلسفة مبنية على ان الشفافية هي مدخل أساسي للمسألة، وإن المسألة هي مدخل للتنمية المستدامة والنمو الاقتصادي، وهي فلسفة طبقتها دول كثيرة حققت من خلالها مستويات تنموية متقدمة لا يستهان بها. 

مما يؤسف له، وبعد صدور 12 تقريراً لا يمكننا القول بأن المبادرة حققت جميع أهدافها أو نجحت في تحقيق مبدأ الشفافية على طريق المسائلة والمحاسبة ومحاربة الفساد. ولكي نكون صادقين في تقييم كل الجهود المبذولة من أجل نجاح المبادرة يمكننا القول إن الخطوة الاولى قد تحققت ونجحت في وضع المبادرة على طريق تحقيق الاهداف، وهي خطوة ضرورية في سبيل تحقيق التنمية المستدامة والنمو الاقتصادي وبناء اقتصاد وطني متنوع يخرجنا من مساوئ الريعية.

ننتظر جميعا ولادة حكومة عراقية جديدة مع برنامج حكومي واعد ومنتج بدلا من حكومات فشلت في تحقيق مهامها، حكومات إستسهلت الاقتراض من الأجنبي بدلاً من العمل المنتج، وأغرقت السوق ببضاعة الأجنبي بدلا من أن تزرع أو تصنع. تبكي عندما تنخفض أسعار النفط فتتجه الى الحلول السهلة في الديون ورفع نسب الضرائب والتلاعب برواتب الموظفين، وتنسى عندما تعاود أسعار النفط الصعود لتملأ جيوب الفاسدين بمشاريع فاشلة بعيدة عن أي هدف تنموي. وهنا يصح التذكير ببيت للشاعر عمرو بن معدي كرب بن ربيعة، 640 هـ، قيل فيمن لإرجاء من نصحه، وهو؛

لقد أسمعت لو ناديت حيا * ولكن لا حياة لمن تنادي

ولو نار نفخت بها أضاءت * ولكن أنت تنفخ في رماد

نحن كتحالف عراقي للشفافية في الصناعات الاستخراجية يضم جمعاً من نشطاء ومنظمات من المجتمع المدني نعلن في أنشطتنا مقترحات حول أهمية التنمية والتنمية المستدامة وتطبيق مبدأ التوزيع العادل للثروة لجميع أبناء الشعب والقضاء على الفقر والبطالة من خلال تنويع الاقتصاد وتنشيط القطاع الخاص والاستثمار كحل لعدد كبير من مشكلات شبابنا وشعبنا الحالية والمستقبلية.

إن تحقيق الحد الأدنى من الرفاهية للمواطنين وتحقيق الكرامة الإنسانية يشكل جزءا مهماً من أهداف تحالفنا، وإن التحفيز ونشر الوعي بأهمية الشفافية من أجل المسائلة والمحاسبة ومراقبة الإداء الحكومي يجب أن تأخذ الأولوية في عمل التحالف ومنظمات المجتمع المدني الأخرى مع ضرورة حث الأجهزة الرقابية على الاستفادة القصوى من معلومات تقارير المبادرة.

في ضوء المسيرة البطيئة ذات الإنجازات الهامشية للمبادرة العراقية، ينبغي عليها أن تطور نفسها وتقاريرها وبياناتها ووسائلها باتجاه رصد السياسات الحكومية الخاطئة التي أنتجت نسب الفقر المتفاوتة بشكل غير مقبول بين المحافظات العراقية، الرصد البيئي والاجتماعي لمدن الصناعات الاستخراجية، كتابة المقترحات و تنبيه الوزارات حول تسريع خطى التنمية والتنمية المستدامة في العراق.

نحن نطمح من البرلمان الجديد أن يتبنى إصدار قانون مبادرة الشفافية للصناعات الإستخراجية في العراق وإلزامية تطبيقه في كافة المستويات وأخذه بنظر الاعتبار في كل عقد واتفاق وقرار وقانون للموازنات العامة، وأن يكون ملزماً لعمل الحكومة الجديدة ووزاراتها وهيئاتها والحكومات المحلية في المحافظات العراقية كافة. كما ويجب على لجنة التعديلات الدستورية تضمين مبدأ الشفافية والمسائلة كشرط لأي نشاط حكومي، وهي خطوة مهمة على طريق مكافحة الفساد والهدر. يجب على الدستور أن يلزم كل وزارة وهيئة ومؤسسة رقابية وإدارة حسابية ومالية في الدولة العراقية أن تضمن مبدأ الشفافية في أنظمتها الداخلية وممارستها في تنفيذ أعمالها.

ضمن هذا السياق يقع الإفصاح عن العقود النفطية والغازية في جولات التراخيص ضمن مبدأ الشفافية أيضاً وهو حق الشعب في معرفة كيفية تعامل الحكومة مع ثرواته الطبيعية باعتباره المالك الحقيقي لها، وإن مناقشة الموازنات العامة من قبل الشعب قبل موافقة البرلمان عليها حق أيضا، ومثله أية تعاقدات كبيرة للوزارات المختلفة كالكهرباء والصناعة وهيئة الاستثمار هو تطبيق للشفافية وحق من حقوق المواطنين.